القرطبي

183

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حكاه عن أبي الخطاب ( 1 ) وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه ، وقد روى عنه سيبويه وأنشد : وإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد كذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون . وقال أمرؤ القيس أيضا : خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشي مجلب ( 2 ) أي أظهرهن . وروى : " من سحاب مركب " بدل " من عشي مجلب " . وقال أبو بكر الأنباري : وتفسير للآية آخر : " إن الساعة آتية أكاد " انقطع الكلام على " أكاد " وبعده مضمر أكاد آتي بها ، والابتداء " أخفيها لتجزى كل نفس " قال ضابئ البرجمي : ( 3 ) هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله أراد وكدت أفعل ، فأضمر مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن . قلت : هذا الذي اختاره النحاس ، وزيف القول الذي قبله فقال يقال : خفى الشئ يخفيه إذا أظهره ، وقد حكى أنه يقال : أخفاه أيضا إذا أظهره ، وليس بالمعروف ، قال : وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى " أخفيها " عدل إلى هذا القول ، وقال : معناه كمعنى " أخفيها " . قال النحاس : ليس المعنى على أظهر ولا سيما و " أخفيها " قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة ، ومعنى المضمر أولى ، ويكون التقدير : إن الساعة آتية أكاد آتي بها ، ودل : " آتية " على آتي بها ، ثم قال : " أخفيها " على الابتداء . وهذا معنى صحيح ، لان الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة ، والساعة التي يموت فيها الانسان ليكون الانسان يعمل ، والامر عنده مبهم فلا يؤخر التوبة .

--> ( 1 ) هو الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد . ( 2 ) خفاهن : أظهرهن . والانفاق : ( جمع نفق ) : وهو الحجر . والودق : المطر . والمجلب : الذي له جلبة . وقبله : ترى الغار في مستيفع القاع لاحبا * على جدد الصحراء من شد ملهب يقول : وقع حوافر الفرس على الأرض أخرج الفأر من حجرتها لأنه ظنه مطرا . ( 3 ) قاله وهو محبوس حبسه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه لهجائه بعض بني جرول بن نهشل ولم يزل في حبسه إلى أن مات .